الشيخ محمد النهاوندي
156
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
حاجة بالنار لحفظهم من السباع ودفع البرد وغير ذلك . وقيل : يعني للذين أوقدوها وقوّوها « 1 » ، أو للذين خلت بطونهم ، أو مزاودهم « 2 » من الطعام ، وفي تقديم التذكرة إشعار بأهمية المنافع العقلية من المنافع الجسمانية . [ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 74 إلى 76 ] فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 ) ثمّ لمّا أثبت سبحانه التوحيد والمعاد ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بتنزيهه عن الشريك وترك إعادة الخلق للحساب بقوله تعالى : فَسَبِّحْ يا محمد بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ وذاته المقدسة عمّا لا يليق به من الشريك ، وخلق العالم عبثا ، وعدم إعادة الخلق للحساب والجزاء ، وفي إضافة التسبيح إلى اسمه دلالة على نهاية عظمة المسمّى ، والظاهر أنّ المراد أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله بتسبيح اللّه وإقران تسبيحه بذكر اسم ربّه العظيم ، بأن يقول : سبحانه ربّي العظيم . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه لمّا نزلت الآية قال : « اجعلوها في ركوعكم » « 3 » . ثمّ إنّه تعالى بعد إثبات التوحيد والمعاد بالأدلة القاطعة ، وكان ذلك دليلا على صحّة نبوة نبينا صلّى اللّه عليه وآله وصدق القرآن ، ولم يبق مجال للاستدلال عليهما لوضوحهما ، أقسم سبحانه عليهما بقوله : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ التي في السماء ومساقطها . قيل : هي مشارقها ومغاربها ، أو مغاربها وحدها ، أو منازلها وبروجها ، أو مساقطها في اتّباع الشياطين ، أو في القيامة حين انتشارها « 4 » . وقيل : إنّ المراد بالنجوم معاني الآيات وأحكامها التي وردت فيها . قيل : إن كلمة ( لا ) زائدة يجاء بها لتأكيد القسم « 5 » . وقيل : إنّ الأصل لأقسم بلام التأكيد ، أشبعت فتحتها فصارت ( لا ) « 6 » وقيل : إنّها نافية على أصلها « 7 » ، والمنفي محذوف ، والتقدير : فلا صحة لقول الكفار من انكار البعث ، أو كون القرآن كلام البشر ، اقسم عليه بمواقع النجوم : وقيل : إنّ المعنى لا اقسم لظهور الأمر ووضوحه « 8 » ، وإلا لكنت اقسم بمواقع النجوم ، وفيه دلالة بناء عليه على ظهور الأمر والحلف عليه . وعن الصادق عليه السّلام قال : « كان أهل الجاهلية يحلفون بها ، فقال اللّه عزّ وجلّ : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ « 9 » .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 29 : 184 . ( 2 ) . المزاود : جمع مزود : وعاء الزاد . ( 3 ) . مجمع البيان 9 : 339 ، تفسير الصافي 5 : 128 . ( 4 ) . تفسير الرازي 29 : 188 . ( 5 - 6 - 7 ) . تفسير الرازي 29 : 187 . ( 8 ) . تفسير أبي السعود 8 : 199 ، تفسير روح البيان 9 : 336 . ( 9 ) . الكافي 7 : 450 / 4 ، تفسير الصافي 5 : 128 .